أنهى شعبان تنظيف غرفة الجلوس ورتب الكراسي على شكل مستطيل مفتوح، تناول أوراقاً صغيرة بيضاً، وكتب عليها أسماء أفراد الأسرة وفق تاريخ ميلادهم، لكنه عندما وصل إلى الكرسي الأخير والمصنوع من الخيزران، فكر ملياً، حرك الكرسي دورات عدة قبل أن يركنه بالجهة التي تقابل كرسيه بينما يتابع دواليب الحظ على شاشة التلفاز. فكر قليلاً ثم فرش فوق الكرسي شالاً صوفياً كان يحتفظ به منذ زمن بعيد، تنهد قائلاً بصوتٍ مسموع: هنا تجلس جلنار ... كرر الاسم مرات عدة "جلنار" وفي كل مرة كان يشعر بحلاوة الاسم تذوب على شفتيه، كلما نطق حرفاً من اسمها كان يتوقف طويلاً يسرح بخياله إلى الماضي، يا ه .. سنوات من الانتظار وأحلام الشباب ومشاغبات الطفولة، زمن من الوجع والانتظار، تذكر كيف كان يعبر خلف سياج الرمان متوارياً عن الأنظار، وحين يراها من بعيد كان يشعر بحالة لا يمكن وصفها، يلوح لها بيده، تركض إليه ناسية ما ينتظرها من عقاب إذا وشى بها أحدهم إلى والدها. يجلسان تحت سياج الرمان " كارثة أن يلتقي العاشق بمن يحب في عرف التقاليد، أحس كأن حروف اسمها تنسكب على فمه وتسيل قطرات ندية، لا شيء يغني عنها، لا هذا المكان النظيف، ولا الموسيقى الهادئة. ها هي المذيعة الأنيقة تعلن عن بدء دوران الأرقام ودواليب الحظ، شعر أن الأرقام تواجهه تنظر إليه بتحدٍ، الأوراق على الطاولة يتحرك القلم بين أصابعه، يكتب حروف اسمها على مهل، بينما خياله يستحضر ملامحها، شفتيها، خديها، عيناها، تمتم كانت الكلمات تذوب على شفتيها كلما التقينا، دخل في جدل مع ذاكرته، وقد اختلطت عليه الألوان، مد يده كأنه يتلمسها، أحاطها بمشاعره الدافئة مرر أصابعه فوق جسدها، فوق شفتيها توردتا، أخذها بين ذراعيه وراحا يرقصان على أنغام هادئة .. شعر بالتعب، تذكر حينما كانت تمر به وهو يقف خلف سياج الرمان أمام بيت أهلها، تنظر إليه بعينين تفيضان شوقاً، تعبر من جانبه دون كلام، وعيناه ترقبان شرفات البيت الكبير، يشعر الآن بقشعريرة تجتاحه، يا إلهي بعد كل هذه السنين لم تزل جلنار تعطرني كل صباح بحضورها البهي .. وما يزال زهر الرمان يتفتح على أطراف السياج القديم. تنهد شعبان بحرقة بعد أن أشعل لفافة تبغ كانت جنون تلك الصباحات المنفلتة من قيد المراقبة، أخذ نفساً عميقاً، لامست أصابعه الصورة، مررها على تقاطيع وجهها، تذكر كلماتها، هذه آخر صورة لي قبل أن نفترق، توقفت لحظة عن الكلام، نظرت في عينيه ثم تابعت ربما لا تستطيع الاحتفاظ بها. صوت المذيعة نبهه إلى الأرقام التي تدور مع الدواليب، كان عليه أن يسرع في كتابة أسماء الأولاد كلٍ على كرسيه المخصص، ثم كتب اسمه على الكرسي المصنوع من قش البردي، أخرج زجاجة شراب كان يحتفظ بها منذ زمن، سكب كأسين من الشراب الخمري، رفع الكأس بصوت مخنوق .... همس جلنار، هيا لنشرب بصحة الجميع، دارت نظراته مع الأرقام، بعد أن حذر الأولاد أن لا يصدر عنهم أي صوت. كاد يصرخ آه، آية، لاه .. ليست هي ضرب يده فوق الطاولة، الكرسي تدور به، والأرقام تدور على الشاشة، والكأس تدور بكفه. كان لديه شعور بأنه سيربح الليلة مع أرقام اليانصيب، ابتسم بمرارة " هو لم يربح في حياته شيئاً دائماً شعبان تلاحقه الهزائم لقد خسر الكثير من سنيّ عمره ولم يحقق شيئاً، تذكر أنه ما زال في ثياب النوم، دخل إلى الغرفة ارتدى بدلته الرمادية التي لا يلبسها إلا في المناسبات الكبيرة " وهل أكبر من جنون الأرقام مناسبة؟ " وقف أمام المرآة حدث نفسه، يا إلهي صار رأسه يشبه الربع الخالي، ضحك من الرجل الواقف في المرآة، ومن بدلته المهترئة .. نبهه ظل المرآة اسمع .. بدلة مهترئة أفضل من رجل خلف القضبان. دار وجهه إلى ظل المرآة أنت إنسان انتهازي عرفت أنني مشغول بمراقبة دواليب الحظ قلت لنفسك لتنتقم مني .. لن أرد عليك .. بدلة مهترئة ليكن، المهم أتابع دوران الدواليب. دار الحديث التالي بينه وبين ظله الواقف أمامه بالمرآة،
الظل: انظر جيداً نحن نتشابه في كل شيء، إلا شيئاً واحداً.
شعبان: ما هو يا فهمان أفندي؟
الظل: أنا أستطيع الكلام متى أشاء، وأقول ما أريد، وأنت لا تستطيع فعل ذلك، حتى لو كنت مع نفسك " الخوف يسكن داخلك ".
شعبان يلتفت يميناً وشمالاً " الخوف " ربما معك حق، آه لقد نسيت ما أتيت لأجله اتركني الآن سنتحدث بهذا الموضوع في الأيام القادمة، أخرجَ من جيبه الداخلية ورقة ملونة، حدق في الأرقام ثم هز رأسه معقول هذه الأرقام تربح الجائزة الكبرى؟
عاد إلى غرفة الجلوس مسرعاً، وقد بدا عليه الجدية أكثر، التفت إلى جلنار، هز الكرسي بيده ما رأيك سأربح الجائزة، وأبني لك بيتاً واسعاً، أحيطه بأشجار الرمان والتين، وأفرشه لك حبقاً وياسميناً، ضحكت حتى جسدها صار يضحك بين يديه، الله يسامحك ألم تزل تذكر، راحت أيامنا، قدم لها كأس الشراب، نظر إلى عينيها يا إلهي ما هذه الألوان الحزينة في عينيك؟ لا عليك سنربح الليلة، تركها لصمتها، وراح يرقص بفرح الأطفال، لقد بدأ ت الدواليب بالدوران، كان يرقص والكأس في يده تهتز ليندلق ما فيها على ثيابه، الدواليب تدور وهو يرقص، ويدور تظهر الأرقام من خلال المربعات الصغيرة يصرخ، يقفز في الهواء مرات عدة، هي الأرقام نفسها، 8، 4، 9، 1، 0، قال بحدة الرقم الأخير غير واضح لكنه متأكد أنه هو، رقم، 0، إذاً الجائزة الكبرى من نصيبه، صار يركض من غرفة إلى غرفة تداخلت الأمكنة، والأثاث، والصور، والذكريات، والكراسي الخالية، وأسماء الأولاد المتخيلين .. وقف على النافذة حدق بالبعيد البعيد، هناك حيث ترك طفولته الأولى، وشبابه حول ذلك البيت الواسع المبني من حجارة كبيرة، وسياجه من رمان وياسمين، دار في الهواء وقع الكأس من يده، تطايرت قطع الزجاج في أنحاء الغرفة، مشى فوق القطع المتناثرة بقدميه الحافيتين، شاهد آثار قدميه على بلاط الغرفة. أخافه لون الدم، دار حول نفسه دورات عدة وهو يرقص بحماس طفولي، شد جلنار إلى صدره .. ضغط على صدره بشدة، حبات العرق تظهر على جبهته .. على جسده، شعر برعشة برد تجتاحه، راح يرقص والغرفة تدور به، وفي زمنه وتخيلاته، يصرخ لقد ربحنا الجائزة .. هذا ليس جنوناً، الأرقام على الشاشة تدور، أحس بدوار شديد، فقد السيطرة على أعصابه، ثم سقط على أرض الغرفة بلا حراك.
مدينة بلا سور ـــ حسن إبراهيم الناصر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق